هشام جعيط

126

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

والخطط المرتبطة بها كانت تشكل حزاما أول ، سيتم من ورائه استقرار موجات الروادف ، في حين استقرت قبائل أخرى في الفجوات . والغريب أن سيفا لم يذكر هذه القبائل في نصه في بداية الأمر : كانت تلك حال بكر وحال طي بالخصوص . كأن الأمر متعلق بامتياز يرتبط بالمنتفعين الأولين بالخطط بصورة نظامية ، ثم ألم تشر مصادرنا إليهم فسمتهم أهل الخطط « 1 » ، بمعنى الناس الذين حصلوا على الأراضي بصورة قانونية ومعهم أولئك الذين أقاموا قريبا من المساحة المركزية ؟ إن هذه الخطط مهيّأة لأن تتحول إلى أشكال طوبوغرافية على أقل تقدير ، وربما إلى أحياء حضرية بالمعنى الدقيق ، وإلى أن تسمى مختلف الأماكن في المدينة بأسماء القبائل ( فيقال : ذهبت إلى كندة وجهينة ) « 2 » . فصار مهما جدا ذكر مواقعها على خريطة . لكن هنا تعترض سبيلنا صعوبات هائلة . فما هو الترتيب الذي رتب عليه سيف القبائل التي روى أسماءها ؟ وهل ينبغي البدء يمينا أم يسارا ، أم من الوسط ؟ وعلى فرض أن نبدأ من اليمين ، وهو العنصر الخيّر بصورة تقليدية ، عنصر اليمن الذي يصطبغ بصبغة دينية ، فعلينا أن نتصور عند ذلك أن المخطط الذي حدد للقبائل أماكنها ، كان يدور سريعا وعلى التوالي إلى القبلة ، وإلى الشمال الشرقي ، والشمال الغربي ، والجنوب الغربي ، وهو يواجه الوجهة المقصودة في كل مرة ، وهذا هو الأمر الأكثر ترجيحا لأنه يجسم الطريقة التي بها يفكر سيف . لنعد إلى طريقته في الحديث عن الرامي الذي يبدأ يمينا ، ووصف وجهة المسجد : . . . « ووضع المسجد يمنة على القبلة ثم مدّ به إلى منقطع رحبة علي والرحبة قبلته » . ثم : « فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة القصر » « 3 » . نجد ميمنة القصر من جديد ، لأن العلامة المرجع ترتبط باتجاه الصلاة . وهكذا يقع الاستناد إلى عنصر الميمنة بصفة واضحة . هل كانت الميمنة متنقلة ، تواجه الشخص الذي يطلق النبل ، ويأمر ، ويوزع كما ينبغي ، أم كانت ثابتة بالنسبة للقبلة ثباتا ضمنيا ؟ « 4 » . هذان الافتراضان كلاهما راجح ، ويترتب عنهما

--> ( 1 ) ابن سعد ، ج 6 ، ص 221 ، في ترجمة صعصعة بن صوحان ، من رفاق عليّ . وقد تحدثت كتب متأخرة في فقه الحنفية عن أهل الخطة واعتمدت روايات قديمة : السرخسي ، ج 26 ، ص 109 ، 110 ، 111 ، 112 ؛ والسمرقندي ، ج 3 ، ص 175 . ( 2 ) مثلا ابن سعد ، ج 6 ، ص 18 ، 26 ، العبارة واضحة جدا في فتوح البلدان ، ص 279 : « ويقولون جئت من حمراء ديلم كقولهم جئت من جهينة » . راجع أيضا : الطبري ، ج 6 ، ص 48 ؛ وكيع ، أخبار القضاة ، ج 2 ، ص 424 حيث نرى الشعبي يقطع جهينة ليقوم بجولته اليومية . ( 3 ) الطبري ، ج 4 ، ص 46 . ( 4 ) لا يمكن اعتماد القبلة بالنسبة للشمال ، بل يمين الشخص المكلّف بإقرار القبائل الذي يواجه الشمال ، أي من الشرق إلى الغرب ، سليم وثقيف وهمدان وبجيلة ، الخ . . وخلافا لذلك ، يكون الأمر كذلك بالنظر للجنوب ، -